ابن رشد

268

تهافت التهافت

للصفات أنفسها موضوعا خاصا . بل يجوز وضع كل صفة في كل موصوف وقائل هذا أيضا هو ناف للحد وناف لاختلاف الموضوعات واختصاصها بصفات خاصة هو السبب الأول في اختصاص الموجودات بصفات خاصة ، وهذا الوضع هو من أصول الأشعرية التي رامت به أبطال الحكمة الشرعية والعقلية وبالجملة العقل . قال أبو حامد : والثالث : هو أن يسلم أن السماء اختصت بصفة تلك الصفة مبدأ الحركة كما اعتقدوه في هوي الحجر إلى أسفل ، إلا أنه لا تشعر به كالحجر . وقولهم : إن المطلوب بالطبع لا يكون مهروبا عنه بالطبع فتلبيس لأنه ليس ثم مفاصلة بالعدد عندهم ، بل الجسم واحد والحركة الدورية واحدة فلا للجسم جزء بالفعل ولا للحركة جزء بالفعل ، وإنما يتجزى بالوهم فليست تلك الحركة لطلب المكان ولا للهرب من المكان فيمكن أن يخلق جسم وفي ذاته معنى يقتضي حركة دورية وتكون الحركة نفسها مقتضى ذلك المعنى لا أن مقتضى ذلك المعنى طلب المكان ، ثم تكون الحركة للوصول إليه . وقولكم : إن كل حركة فهي لطلب مكان أو هرب منه إذا كان ضروريا فكأنكم جعلتم طلب المكان مقتضى الطبع وجعلتم الحركة غير مقصودة في نفسها ، بل وسيلة إليه ونحن نقول : لا يبعد أن تكون الحركة نفس المقتضى لا طلب مكان فما الذي يحيل ذلك . فاستبان أن ما ذكروه إن ظن أنه أغلب من احتمال آخر ، فلا ينبغي قطعا انتفاء غيره ، فالحكم بالقطع على السماء أنه حيوان تحكم محض لا مستند له . قلت : أما قولهم أن هذه الحركة ليست هي قوة طبيعية تشبه القوة الطبيعية التي في الأرض والنار فحق ، وذلك بيّن مما قالوا من أن هذه القوة تشتاق المكان الملائم للجسم الذي وجوده بهذه القوة والجسم السماوي إذ جميع المكان له ملائم فليس يتحرك بمثل هذه القوة ، ولذلك سمى هذه القوة الحكماء لا ثقيلة ولا خفيفة ، وأما أن هذه القوة هي بإدراك أو بغير إدراك وإن كانت بإدراك فبأي نحو من الإدراك فيبيّن من غير هذا . وتلخيص هذا هو أن نقول : أما التقدير الأول وهو أن يفرض أن المحرك للسماء جسم آخر غير سماوي فبيّن السقوط بنفسه أو قريب من البين بنفسه . وذلك أن هذا الجسم ليس يمكن فيه أن يحرك الجسم السماوي دورا إلا وهو متحرك من تلقائه كأنك قلت إنسان أو ملك يديرها من المشرق إلى المغرب . ولو كان ذلك كذلك لكان هذا الجسم المتنفس إما خارج العالم وإما داخله ، ومحال أن يكون خارجه ، لأنه ليس خارج العالم مكان ولا خلاء على ما تبيّن في